عصر المجانين
- Get link
- X
- Other Apps
- في الثانية عشرة من عمره، رأي بعينيه أخاه الأكبر، محمود، مشنوقا بأمر من والدهما السلطان محمد الثالث، وخلال عمره القصير في جناح الحريم شاهد الجلادين يدخلون بالمشانق وتخرج من ورائهم توابيت عديدة تضم جثث من كان بالأمس يدعوهم بالأعمام.
لوثة عقلية أصابت الفتى الذي لم ير من العالم سوى الحرير والجواري الحسان، حتى تولى والده العرش فتبدل الحرير بالتوابيت ولم ينجُ شقيقه من المصير ذاته، فعاش الفتى في رعب وقلق من مصير أخيه، أو مصير مماثل حينما يرث أخوه الأكبر، أحمد، العرش.
الارتياب والحبس في الحريم ذهبا بعقل مصطفى، وبدا ذلك واضحا للعيان، لكن ذلك لم يمنع من توليه الحكم خلفا لأخيه المتوفي أحمد الأول، والذي خلف ذرية من صغار السن.
الإنكشارية ولوا مصطفى الحكم، ثم عزلوه بحجة الجنون، وولوا عثمان الثاني ابن أخيه مكانه ثم عزلوه، وأعادوا مصطفى ثانية وكل ذلك في سبيل المكافأة التي يأخذونها عند تنصيب السلطان.
بارانويا السلطان
مصطفى الأول هو السلطان الخامس عشر ابن السلطان محمد الثالث من المحظية هندان سلطان ولد عام 1591 وتُوفيّ 1639. نشأ السلطان في كنف والده السلطان محمد الثالث الذي اعتلى العرش وعمره 4 سنوات ومنذ ذلك الوقت شهد إعدام 19 من أفراد العائلة العثمانية بأمر من والده الذي أودعه جناح الحريم كما شهد إعدام شقيقه الأكبر محمود فتسببت تلك العوامل في إصابته بمرض جنون الارتياب (البارانويا) وعاش حياته في قلق وخوف من القتل سواء بيد والده أو وريثه وهو أخيه الأكبر أحمد الأول.
بفضل كوسم سلطان، زوجة أخيه، نجا مصطفى من الإعدام عندما تولى أخوه العرش، فقد حرصت كوسم على حياته حتى لا يتولى عثمان أول أبناء زوجها من محظية أخرى الحكم خلفا لوالده، ويقوم بقتل أبنائها الأصغر سنا. أحمد الأول أبقى مصطفى في جناح الحريم تحت رقابة شديدة ساهمت في تفاقم مشكلة مرضه النفسي.
جنون الارتياب لم يكن العلة العقلية الوحيدة لمصطفى بل عانى من اضطرابات عصبية عديدة كان منها فقدان الإدراك فكان يأتي أفعالا حمقاء منها أنه كان يلقي النقود الذهبية للأسماك في البوسفور بدلا من قطع الخبز ولكن أبطل الديوان هذه العادة بناء على رغبة رئيس الخصيان الذي اقترح توفير الذهب للإنكشارية عند اعتلائه العرش.
سلطنة الظلم بدأت في جني ثمار قانون «الأقفاص»، كان الأمير مصطفى الأول الذي أسندت إليه أمور الدولة العام 1617، بعد وفاة أخيه السلطان أحمد، أحد أبرز النماذج التي تولت العرش بعدما شوهتها تجربة «الأقفاص»، إلى درجة أن اسمه في كتب التاريخ هو «مصطفى المجنون».
المؤرخ «صولاق زاده» عن مصطفى يقول: «تولى العرش وهو ابن الـ26 عامًا. كان في عقله بعض الخفة، لطول الفترة التي قضاها في منفاه، ومع ذلك عُيّن سلطانًا بعدما أمرت السلطانة الأم شيخ الإسلام وقتها بالإفتاء بجواز حكمه مع خفة عقله».
تمكن الأمير عثمان بن أحمد من عزل السلطان مصطفى، ليُعيده مجددًا إلى ذل القفص، وأمر جنوده بالتنكيل به والعمل على إذلاله، إذ اعتقد أنه سلبه حقه في الحكم، ليمكث في سجنه أربعة أعوام أخرى، خرج بعدها في ظروف الفوضى التي عمت السلطنة ليتولى الحكم مجددا لمدة عام (1622-1623)، ريثما تنتهي السلطانة كوسيم من صراعها وتجهيز ابنها مراد الرابع من تولي السلطنة، بعدها تم عزل مصطفى مرة ثانية وأخيرة حيث عاش في المنفى لنحو 16 عامًا.
السلطان والعرش
بعد وفاة أحمد الأول نادى رجال الدولة والإنكشارية بمصطفى الأول سلطانا وتم تتويجه عام 1617، ليكون أول سلطان يتولى الحكم خلفا لأخيه. فقد كانت العادة أن يتولى الابن مكان أبيه. ورغم وضوح اضطراباته العصبية إلا أن ذلك لم يردع كبار الحاشية عن تتويجه طمعا في السيطرة على الدولة باسمه.
مرض السلطان عزز من بقائه كدمية على الكرسي، واختلفت أجنحة السلطة حوله وتم الاتفاق على خلعه بعد مضي 3 أشهر على تتويجه، وعاد إلى محبسه في جناح الحريم وتولى عثمان الثاني ابن أخيه الحكم.
عثمان الثاني لم يقتل عمه مصطفى واكتفى بسجنه في الحريم، رغم قيامه بقتل أخيه محمد عام 1621، قبل خروجه على رأس حملة عسكرية. اضطراب حالة مصطفى العقلية أنقذته من القتل هذه المرة.
ثورة الإنكشارية والمفتي على عثمان الثاني عام 1622 دفعته للتفكير في التخلص من عمه مصطفى حتى لا يجد الثوار بديلا سواه أو أبنائه فيقبلون به لكن اقتحام الإنكشارية القصر وقبضهم عليه أنقذ حياة مصطفى.
مرة ثانية وجد مصطفى نفسه مُتوجا على العرش دون إرادة منه أو إدراك لما يحدث حوله سوى أنه كان الرجل المناسب هذه المرة لأهواء الإنكشارية التي سيطرت على البلاد.
عدد من الإنكشارية قتلوا عثمان الثاني في حبسه، فزاد ذلك الخبر من مرض السلطان الذي خشي نفس المصير على يد الإنكشارية، وساءت حالته وصار يهذي باسم ابن أخيه ليلا.
طغيان الإنكشارية
الحكم صار ألعوبة بيد الإنكشارية والسباهية، ينصبون الوزراء ويعزلونهم حسب أهوائهم وصاروا يمنحون المناصب لمن يدفع أكثر، فكانت الوظائف تُباع جهارا، وعاثوا فسادا في القسطنطينية، وابتزوا السكان والأقليات دون خوف من أحد فهم من وضع السلطان فاقد الإدراك على العرش.
والدة السلطان عينت زوج أخته قره داود باشا في منصب الصدر الأعظم، وإن كان الحكم بيد القوات العسكرية، التي قتلت عددا من الوزراء، كان منهم داود باشا، صهر السلطان الذي أعدمته الإنكشارية ككبش فداء، بعد أن حملته مسؤولية الفوضى في البلاد، في محاولة لتحسين صورتها أمام الناس.
الاضطرابات انتشرت في الولايات، واستغل كثيرون منهم الفوضى التي تعيشها السلطنة، للاستقلال بما تحت أيديهم، فقام والي طرابلس الشام بإعلان استقلاله وطرد الإنكشارية من منطقته.
والي أرضوم القوي أباظة باشا رفع لواء الثأر للسلطان عثمان الثاني وسار بمن تبعه إلى سيواس وأنقرة، ودخلهما وصادر أموال وقطاعات الإنكشارية، قاتلا كل من وقع تحت يده منهم، وصار إلى بورصة وضمها بعد حصار قاسي.
الفوضى استمرت لمدة 18 شهرا، وطفح الكيل بالأهالي وسكان القسطنطينية نتيجة اعتداءات الإنكشارية، فخشى هؤلاء أن تخرج السيطرة من أيديهم أو تقوم ثورة يستغلها أباظة باشا في مهاجمة القسطنطينية ويأخذها ويقيم مذبحة فيهم، فقاموا بتعيين رجل يدعى كمانكش علي باشا صدرا أعظم.
نهاية المجنون
كان أول قرارات كمانكش عزل السلطان مصطفى الأول بسبب وهن قواه العقلية، وتولية مراد ابن أخيه أحمد سلطانا، وأعادوا مصطفى إلى الحبس في جناح الحريم، وظل هناك حتى وفاته عام 1639 دون أن يخلف أبناء أو مآثر سوى أنه كان ألعوبة بيد الطامعين في السلطة.
لكن المسؤول الأول عن وصول مرضى عقليين وسفاحين إلى كرسى السلطنة كان نظام الحكم الذي قام على تخوين الإخوة والأبناء وقتل الأشقاء خوفا منهم، فأدى ذلك إلى توحش البعض ومرض أخرين وسفه الكثيرين، وكان منهم مصطفى الأول الذي كان ضحية دموية والده الذي قتل 20 من ذكور العائلة العثمانية بينهم أشقاؤه وأحد أبنائه.
إبراهيم الأول.. معتوه على العرش
قبل أن يكمل إبراهيم الأول عامه الثاني مات والده السلطان العثماني أحمد الأول سنة 1617 فانتقلت الوصاية عليه لأخيه مراد الرابع الذي أمر بحبسه في جناحه الخاص بالحرملك، وعندما كان صبيا شاهد إبراهيم إعدام إخوته الكبار عثمان الثاني وسليمان وبايزيد وقاسم، بأوامر من السلطان مراد الرابع.
رؤيته للرؤوس وهي تتطاير تسببت في عقد نفسية مزمنة له، ظل طيلة العقدين في انتظار صدور قرار إعدامه، كان يقيم في غرفة معتمة لا تحوي إلا نافذة واحدة، لم يكن للأمير بداخلها عمل سوى ترقب الموت في ساعاته الطويلة التي يقضيها في جناحه وحيدا تُخيفه الجدران وترعبه الأصوات التي يتخيلها تأتيه على هيئة خطوات لأقدام كتيبة الإعدام.
توليه العرش
في ظل حديثه اليومي مع خيالاته، لم يكن إبراهيم يعلم أن والدته السلطانة كوسم فرضت سيطرتها على القصر، وقبضت على زمام الحكم، وفوجئ بها تفتح باب محبسه وتخرجه من السجن وتدفع به ليتولى عرش آل عثمان وهو لا حول له ولا قوة، مجرد شخص بائس يهزي من جنون الخوف ويبارز الهواء بيديه ليمنع من يتخيلهم يحاولون قتله.
اندفع الآغوات - رؤساء الفرق العسكرية - لتهنئته على العرش، فظن أنهم يريدون خنقه وأنها مكيدة من أخيه السلطان مراد لاختبار ولائه، فرفض وأعرض عنهم ولم يصدقهم وهم يقسمون أمامه بالولاء، حتى أتت أمه كوسم ومن خلفها جنديان يحملان جثة السلطان مراد، فتيقن من الخبر، السلطان المعتوه فرح لموت أخيه مراد، وأخذ يصرخ تارة ويضحك بهستريا تارة أخرى. كان يهذي: «مات السفاح مات السفاح!». ورضي أن يتولى الحكم العام 1640.
ترف السفيه
عاش إبراهيم فترة حكمه تحت سطوة أمه السلطانة كوسم، صاحبة الفضل الأول في توليه الحكم، فأغرق نفسه في الملذات ولم يهتم بشؤون الدولة التي عمتها الفوضى، طفولته المشوهة جعلت منه مختلا عقليا، وأورثت بداخله الطمع فسعى إلى تكوين ثروات طائلة عن طريق عادات أجداده في السلب والنهب وسرقة أموال العباد.
فرض السلطان المعتوه الضرائب الباهظة على الشعب لتلبية نفقات ترفه الجنوني، وأوعز لحراسه وجنود الإنكشارية بكسر أبواب محلات المجوهرات، فنهبوها وصادروا ثروات أصحابها، وقام بتزيين لحيته بأسلاك من الذهب وثبت بها فصوصا من اللؤلؤ، معتقدا أنه بذلك أكثر جمالا وجاذبية، كما راودته أفكار طفولية فأمضى وقته في إطعام السمك قطعا نقدية.
مس شيطاني
السلطان المريض بالصرع كاد يقتل طبيبه لأنه فشل في علاجه فاحتال عليه الطبيب وأقنعه بأنه مصاب بمس من الجن، فتقرب إبراهيم للسحرة والمشعوذين ليعالجوه بالطلاسم، لكن حالته ازدادت سوءا وعانى من حالات تشتت ذهني جعلته يقدم على قتل أحد أولاده غضبا من بكائه ليلا، وقام بالفعل بإلقائه في بركة ماء، واستطاعت زوجته إنقاذ الطفل قبل الغرق ليعيش الصبي بندبة في رأسه بقية عمره.
جنون إبراهيم لم يقتصر على القصر العثماني، بل تعداه إلى علاقات إسطنبول الخارجية، إذ أعلن الحرب على جمهورية البندقية، حليفة العثمانيين الوحيدة في المتوسط، للاستيلاء على جزيرة كريت، واعتقل جميع رعايا المدينة الإيطالية بالسلطنة، وأمر بمصادرة أموالهم وممتلكاتهم.
وفي أثناء الاشتباكات قامت البندقية بالرد على العثمانيين بالإغارة على عدد من ثغور شبه جزيرة المورة اليونانية، فهاج إبراهيم وماج وأمر بقتل جميع المسيحيين في إسطنبول، ولكن شيخ الإسلام، أسعد زاده، حذره من الإقدام على مثل هذه الخطوة، وفي إحدى نوبات صرعه أعدم الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا بحجة قلة غنائم الحرب في معركة كريت، على الرغم من أن الباشا نجح في ضمها لدولة العثمانيين.
ترك إبراهيم شؤون الحكم واهتم بحياة الحرملك والخصيان، وساعدته أمه السلطانة كوسم فغمرته بالجواري ليعيش حياة البذخ والمجون، وبسبب تواجده الدائم مع النساء انحرف ومال إلى محاكاتهن فكان أكثر السلاطين تخنيثا وشذوذا، وشارك الحسناوات من الجواري الرقص وأصبح غير مؤتمن بالمرة على الحكم.
الجارية تللي خاصكي
في الرابعة والعشرين من عمره لم يكن إبراهيم يصغى لأحد سوى جواريه اللواتي ازداد نفوذهن وتدخلن في شؤون الدولة، وزاد الطين بلة حين وقع في عشق إحدى الجواري البدينات (تزن حوالي 150 كيلو)، وتدعى تللي خاصكي، فطرز ملابسه بالكهرمان ليجذب أنظارها.
تزوج إبراهيم من جاريته، وأعطاها حصيلة ضرائب ولاية مصر (أغنى ولايات الدولة) مهرا لها، وفرش حجرتها بجلود السمور في محاولة منه لاسترضائها، مما جعل فترة حكمه تعرف بعصر «سامور دوري»، والسمور نوع من أنواع الفرو
فقررت كوسم قتل إبراهيم صاحب الـ33 عاما، بعد أن تجردت من مشاعر الأمومة، وأوعزت إلى حراسها بخنقه لتفيض روحه ويسدل الستار عن نهاية عصر من الجنون
السلطان المخمور.. بايزيد الماجن
لم يتجرع حاكم في التاريخ الذل مثلما تجرعه السلطان العثماني بايزيد الأول، فلم يكتف القائد المغولي تيمورلنك بهزيمته والقضاء على جيشه، بل أسره في قفص حديد وضعه داخل قصره، ليجبره على أن يشاهد زوجته دسبينا خاتون مجرد جارية عارية تقدم الطعام والشراب، وترقص أمام الجميع فمات غما وكمدا عليها في العام 1403م.
نهاية طبيعية لحاكم أطاح بكل القيم الإسلامية لإرضاء نزواته الشخصية، وأنفق ثروات بلاده على الملذات والمجون.
البداية الحمراء
في العام 1389، وعقب معركة كوسوفو التي قتل فيها الوالد السلطان مراد الأول اشتعل الصراع المعتاد على العرش العثماني بين ولديه بايزيد ويعقوب بك ، وانتهى بانتصار الأول وقتله لأخيه في سبيل الملك، هكذا افتتح بايزيد عهده الذي شهد الكثير من سفك دماء معارضيه وكل من وقف في وجه سلطته الغاشمة.
وبعد أن استتب الأمر له في القصر ببورصة عاصمة العثمانيين وقتذاك، حول بايزيد مجالسه الخاصة إلى خيام حمراء، وراح يجبر المشايخ على تحليل المحرمات ليفعل ما يحلو له دون أن يجد من يردعه،فالشاب الذي وجد نفسه سلطانا على الدولة في سن الثلاثين تملص من الأحكام الشرعية والفقهية، واعتبرها تضييقا على حريته، ووجد ضالته في احتضان الفرق والمذاهب الدينية الضالة التي أمطرته بسيل من البدع والافتراءات.
خطب ود شيوخ «الطريقة البكتاشية» الذين أجازوا قتل الإخوة من أجل الوصول للعرش، وأحلوا له شرب الخمر والمسكرات بجميع أنواعها، بحجة أنها مدد روحاني من السماء! لم تكن الخمور وحدها هي ما وقع في غرامها بايزيد الأول، لكنه تخطاها إلى ممارساته الجنسية الشاذة، والمجاهرة بها، وهو ما ذكره المؤرخ عاشق باشا زاده في كتابه تواريخ آل عثمان بقوله:»كان السلطان بايزيد الأول يحب عيش وعشرت». تعني «يحب حياة السفاهة والخمر والمجون».
لكن.. من الذي جرأه على فعل المنكرات؟
إنها زوجته ماريا وقائده المقرب جاندارلي علي باشا، أقنعاه بشرب الخمر، فلم يفارق الكأس يده، وفي عهده أصبحت الدولة العثمانية سلطنة السكارى والماجنين، خاصة بعد أن جعل الخمر والحشيش مشروبين رسميين، وقرب منه الفاسقين والمنحرفين أخلاقيا، وجعلهم حاشيته ورفعهم إلى مجلسه.
ماريا دسبينا
تزوج بايزيد من ماريا دسبينا بنت لازار ملك الصرب عام 1391، وجدت الفرصة سانحة للانقضاض على السلطة وتوجيه السياسة العثمانية من داخل أروقة الحرملك، مستغلة فجوره فتلاعبت به، وغمرت قصره بالأوروبيات من بني جنسها لتضمن ولاء الجواري، ونشرت الرذيلة بين أمراء آل عثمان وأشرفت على الليالي الحمراء، وجمعت حوله سفهاء الأتراك، أما وزيره جاندارلي فقد تولى تنظيم حفلات شرب الخمر، وكان صديقه لطفي باشا من أشهر رواد القصر، واصطفاه لجلب الخمر والحشيش للبلاط العثماني.
سقاة الخمر
أنفق بايزيد أموال الرعية على نزواته وشهواته، وكلف وزيره باستيراد أشهر أنواع الخمور من الشرق وأوروبا، وفي سعيه الحثيث لنشر الخمور بالسلطنة راح يقدمها هدايا لرجال دولته، وعرف الفاسدون ولعه بالخمر فقدموا له منها أجود الأنواع الفرنسية، وأصبح سقاة الخمر الأكثر تواجدا في القصر العثماني، فكانوا يملأون ويوزعون الأقداح بحرية وعلانية على الأمراء والضيوف في حفلات القصر الماجنة.
كما تغزل بايزيد في الخمر وألقى قصائد شعر في مديحها وأمر بكتابتها بماء الذهب وعلقها على جدران قصره، ووصل به الأمر أنه أمر الولاة بنشرها في السلطنة، وأباح السلطان لقوات الإنكشارية شرب الخمور وفعل المنكرات والمجون، واعتبرها نوعا من الترفيه بشرط أن يقدموا فروض الطاعة له ويعاونوه في حروبه التوسعية.
خصص لهم مخازن للخمور بالمعسكرات ووزع عليهم حصصا أسبوعية من النبيذ مجانا، فأصبحت الجيوش العثمانية بؤرة للفساد الأخلاقي وضعفت همتها، فهجموا على القرى والمدن ليمارسوا عمليات نهب وسلب الممتلكات ثم باعوها ليشتروا بثمنها الخمور، وعانت الولايات العثمانية من مجونهم بعد أن عاثوا في الأرض فسادا وهتكوا أعراض النساء.
الغضب الشعبي
واكبت أفعال السلطان العثماني الماجن موجة من الغضب الديني والشعبي، انتشرت أنباء انحلاله وحاشيته، فقام رجال الدين بالتصدي لقرارات إباحة شرب الخمر، وشكلوا فيما بينهم وفدا قام بمقابلته وحذروه إن لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فسيتركون البلاد، فقابل تحذيرهم باستهزاء واستهتار وأمر بسجنهم قبل ان يقوم بنفيهم إلى الجبال.
سياسات بايزيد لم تُخف القاضي الملا فناري، فأفتى برد شهادة السلطان، لشربه الخمر وتركه صلاة الجماعة، واعتبره غير أهل للحكم وشبهه بالخوارج والزنادقة، وشدد على عدم طاعته هو وحاشيته ورجاله حتى يتوبوا ويطبقوا أحكام الشريعة الإسلامية بين الرعية.
التصرفات الماجنة لبايزيد لاقت رفضًا من عائلته، ويعد الأمير شمس الدين محمد الملقب بأمير سلطان، أشهر من رفضوا تلك الممارسات، وأمير سلطان هو عالم ومفكر إسلامي ومتصوف، تزوج من خوندي فاطمة خاتون بنت السلطان بايزيد،كره أمير سلطان من بايزيد سفهه ومجونه، وعرض عليه التوبة والإقلاع عن الرذائل، إلا أن بايزيد رفض النصيحة واعتبرها تدخلا في حريته الشخصية، فما كان من أمير سلطان سوى أن يقاطعه ويمنع زوجته فاطمة من زيارة والدها ثلاثة أشهر.
هزيمة مذلة
السلطان الماجن الذي انغمس في حياة الخلاعة، لم يستعد للخطر القادم من الشرق، فجيوش آسيا الوسطى تحركت تحت قيادة تيمور لنك بهدف إعادة إحياء إمبراطورية المغول، أطاح الغازي الأزوبكي بدول الشرق واقترب من حدود الدولة العثمانية، لم يهتم بايزيد بالاستعداد الكافي، لعب الخمر برأسه وتخيل قدرته على قهر غازي الشرق الذي انسحبت من أمامه قوات سلطان مصر والشام.
التقت جيوش بايزيد العثماني مع تيمور لنك في ساحة أنقرة العام 1402، وانتهت كما هو متوقع بهزيمة ساحقة لبايزيد، والذي وقع في أسر الغازي الأوزبكي، الذي تفنن في إذلال السلطان العثماني، عندما ألقى به في قفص حديدي، وأجبره أن يشاهد زوجته في أحضان الغازي تيمورلنك ويموت بايزيد الماجن كمدًا على ضياع ملكه .
- Get link
- X
- Other Apps
Comments
Post a Comment